أبي منصور الماتريدي

87

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

المشيئة التي [ هي غائبة ] « 1 » أنها لو كانت لآمنوا هذا فاسد على قولهم . وبعد فإن المشيئة لو كانت مشيئة القهر لكانوا مؤمنين بتلك المشيئة وهي خلقة ؛ لأن كل كافر مؤمن بخلقته ؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانية الله ، فإذا كانوا مؤمنين بالخلقة ثم ذكر أنه لو شاء لآمنوا دل أنه لم يرد به مشيئة القهر ولكنه أراد مشيئة الاختيار ، وتأويله عندنا هو أن عند الله تعالى لطف لو أعطاهم كلهم لآمنوا جميعا ، لكنه إذ علم أنهم لا يؤمنون لم يعطهم وهو التوفيق والعصمة ، لكنه إذ علم منهم أنهم لا يؤمنون شاء ألا يؤمنوا ، ثم لا يحتمل أن يتحقق الإيمان بالجبر والقهر ؛ لأنه عمل القلب والجبر والإكراه مما لا يعمل على « 2 » القلب ، فهو وإن تكلم بكلام الإيمان فلا يكون مؤمنا حتى يؤمن بالقلب ، فيكون التأويل على قولهم : ولو شاء ربك فلا يؤمنوا ، فهذا متناقض فاسد . وبعد فإن الإيمان لا يكون في حال الإكراه والإجبار ؛ لأن الإكراه يزيل الفعل عن المكره كأن لا فعل له في الحكم . وقوله : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فإن قيل : أليس قال الله - عزّ وجل - : تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ الفتح : 16 ] أي : حتى يسلموا وذلك إكراه ، وقال [ رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ] « 3 » : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله » « 4 » فذلك إكراه ، فكيف يجمع بين الآيتين ؟ ! قيل لوجهين : أحدهما : ما ذكر أن هذه السورة مكية ، وقوله : تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ الفتح : 16 ] مدنية ، فيحتمل قوله : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي : لا تكرههم ثم أمر بالقتال بالمدينة والحرب والإكراه عليه . والثاني : يجوز أن يجمع بين الآيتين ، وهو أن يكون قوله : تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ الفتح : 16 ] أي : تقاتلونهم حتى يقولوا قول إسلام ويتكلموا بكلام الإيمان ، دليله « 5 » ما روي : « حتى يقولوا : لا إله إلا الله » ، والقول : بلا لا إله إلا الله على غير حقيقة ذلك في القلب ليس بإيمان ، وفي هذه الآية حتى يكونوا مؤمنين وبالإكراه لا يكونون مؤمنين

--> ( 1 ) في أ : هو غاية . ( 2 ) في أ : عمل . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 3 / 308 ) كتاب الزكاة ، باب وجوب الزكاة ( 1399 ) وفي ( 12 / 288 ) كتاب استتابة المرتدين ( 6924 ) وفي ( 13 / 264 ) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ( 7284 ) ومسلم ( 1 / 52 ) كتاب الإيمان ، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا : « لا إله إلا الله » ( 33 / 21 ) . ( 5 ) في ب : حتى .